وقل سيروا في الأرض
سبتمبر 20, 2008
أن ابسط مقارنة بين ما تركز عليه وسائل الاعلام من أخبار وتقارير عندنا في المنطقة العربية والعالم الاسلامي وبين ما يتم تداوله في الغرب أو حتى بقية العالم سوف تجعلك تتعجب وتتسائل في نفس الوقت. سوف تتسائل إذا كنا نعيش هنافي بلادنا في عالم مختلف عن العالم الذي يعيش فيه بقية البشر، وتتعجب لعدم ادراك الشعوب العربية مدى التقهقر الذي أصبحنا أسياد العالم فيه وبجدارة. أصبحت اهتماماتنا منصبة أساسًا على الهيافة والهبل الصغائر، وجل ما يفرحنا وينعش يومنا هو فوز الأهلي والقبض على هشام طلعت والحالة النفسية ليحيى الفخراني بعد مسلسله الأخير. نعيش على هذه الأرض وكأننا خارج الإطار الزمني لها، يتقدم العالم بأسره ونهم واقفون فاغرين لهم أفواهنا غير عابئين بما يحرزوه من تقدم في جميع مجالات الحياه. أقنعنا الأخوة المعممون ان لهم الحياة بما فيها من ترف ودعة وسرور، ولنا الآخرة بما فيها من أنهار الحليب والخمر والغلمان والعين من الحور.
أكتب هنا مدفوعًا بحدثين: الأول تلك الأخبار التي أتتنا من على الحدود السوسرية الفرنسية وبالتحديد من المنظمة الأوروبية للبحوث النووية أو ما يعرف اختصارًا باسم CERN عن تجاربهم لمعرفة أصل الكون والكيفية التى حدث بها الانفجار العظيم. والحدث الثاني هو الأخبار التى تناقلتها وسائل الاعلام البريطانية عن اعتزام الكنيسة البريطانية تقديم الاعتذار لتشارلز دارون عن سوء فهمها لنظريته لتطور الأجناس.
المتابع للتعليقات على الإنترنت لشباب المسلمين الضائع التائه الذي أصابته اللوثة من مشاهدته للقرني وعمرو خالد والجندي ومدام سعاد على شاشة التليفزيون، يرى مدى المصيبة التي أصبحنا فيها. اخترت لكم بعضًا من تعليقات الملوثين عقليًا على خبر تجارب المنظمة الأوروبية للبحوث:
- نحن مسلمين ولا يهم هذا التطور
- الخلق سر من أسرار الله عز وجل، ويكفي أن يفتح هؤلاء العلماء القرآن ليعلمو أن خلق الكون كان بأمر الله عز وجل وذلك في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان وقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين)
- اي كانت النظرية التي سيخرج بها العلماء فاني اظن انها ستكون بلا فائدة من الواضح حاليا ان العلم جنح الى مناطق لايعلم مداها الا الله سبحانه وتعالى .
- صدقوني حين قرأت الخبر ارعبت لان هذا شأن اللة وليس شأن البشر على تكوين البشرية وللة الستار
التعليقات خليط من الخوف والرعب من العلم، ثم الشك فيه، أو عدم الاهتمام به. ولكن أخطر تعليق على الإطلاق هو التعليق رقم 1 الذي وضع المسلمين في ناحية والتطور في ناحية أخرى. ورأيي أن هذا منطقي عند كل متدين يؤمن بأن هناك كائن غير مرئي خلق الكون في ستة أيام (ثم استراح في اليوم السابع حسب الرواية اليهودية) مع أنه كان من الممكن أن يقول للكون كن، فيكون الكون على طول.
الموضوع باختصار أن المتدينيين لا يهمهم تطور البشرية ولهذا تجدهم في قاع من يهتم بالحياة أو يقيم لها وزنًا. ودائمًا ما يرتبط الدين بالزهد في الحياة. ولهذا لا لم يأخذني العجب وأنا أقرأ هذه التعليقات. فأنا أعلم أن المسلمين ومن على شاكلتهم من متشددي الأديان الابراهيمية الأخرى مستهلكين للحضارة وغير منتجين لها. وفي أحيان كثيرة هم ضد الحضارة من الأساس وحلمهم هو العودة إلى الاقامة في الخيمة وشرب حليب النوق وبولها.
المسلم لا يؤمن بقدرة العلم على الاجابة على تساؤلات لطالما اعتبرها المسلم من الغيبيات. وعندما يحدث ذلك، نجد شيوخ المسلمين وقد هبوا إما مهاجمين لما توصل إليه العلم أو محاولين التوفيق بينه وبين خرافاتهم. أتذكرون ما حدث عندما انتشرت أجهزة الموجات فوق الصوتية وأصبحت موجودة الآن لدى كل أطباء النساء والتوليد وأمكن للعامة معرفة جنس الجنين. نعلم جميًعا تعارض ذلك مع ما كان شائعًا بأن الله وحده يعلم ما في الأرحام. تخيلوا حتى الآن وبعد مرور كل هذه السنوات على انتشار هذه الأجهزة، من أصدقائي من يرفض معرفة جنس مولوده القادم خشية أن يكون ذلك تدخلاً منه في الشأن الإلهي ومزاحمة منه للكائن الخرافي الذي يسكن في الدور السابع من السماوات في علم الغيب وقرائة الكف والفنجان.
أن سلطة العلم في بلاد العرب والمسلمين سلطة موقوفة برأي رجال الدين. فرجال الدين هم فلتر للعلم، ولا يمكن لهذه المنطقة من العالم أن تتقدم بدون أن يسمح لها رجال الدين بذلك، وكلنا يعلم أنهم لم يسمحوا لأن هذا معناه ضياع سلطانهم على رقاب البشر. ولهذا تجدهم يتكلمون وبفتون في أتفه الأشياء وأبسطها، حتى أنه طل علينا أحدهم يفتي بوجوب قتل ميكي ماوس لأنه نجس ولا يجوز أن يلعب معه أطفال المسلمين. وآخر تدخل فيما لا يعنيه وطالب بلدية دبي بمنع استيراد ملونات غذائية مستخرجة من الحشرات لأن الحشرات نجسة، ناسيًا أن نبي الرحمة قد أمر المسلمين بأن يغمروا الذباب في الماء قبل أن يشربوه، وليس هذا فحسب، ولكنه أمرهم بشرب بول البعير كعلاج، والبول في الاسلام نجس ينقض الوضوء.
باختصار، العلم ليس لديه مكانة لدى المتدينين، ومن يقول بأن الدين يحث على العلم عليه أن بثبت ذلك بأمثلة عملية بدلاً من أن يأتي لنا بنصوص دينية كلها تدعوا في الأصل إلى تعلم الدين ويخص بها علماء المسلمين العلم الشرعي عديم الفائدة ويقدمونه على العلم الحقيقي صاحب الفضل الأول في تقدم البشر.
والدليل على عدم تقديرنا للعلم الحقيقي انتشار الدجل والخرافات وتصديقها لدى المتعلمين قبل الجهلة والبسطاء. فانتشرت عيادات الطب البديل والتداوي بالأعشاب وأزدهرت صناعة المشعوذين وأصبح السرطان والتهاب الكبد الوبائي يداوى بالرقية الشرعية وبمساعدة بخور العود من عند عبد الصمد القرشي. أليست هذه مهزلة، هل تجدون أمة من الأمم تستهين بالعلم والعلماء الحقيقيين هذه الاستهانة. هل هناك أمل في تطور مع هذه العقلية؟ لا اعتقد اطلاقًا مادام يتحكم في عقولنا أمثال أبو رجل مسلوخة هذا.
Entry Filed under: نظرية الخلق. وسوم: فلاسفة, فلسفة, قريش, كفار, كون, كاثوليك, كريشنا, ليبرالية, لا أدرية, لاأدرية, لادينى, لاديني, لادينيون, مكة, ملحد, ملحدون, ملحدين, منطق, موسى, مؤمنين, مريم, مسيحية, مشاعر, مصر, نقاش, نقد, نقدي, هندوسية, وطن, يهودية, يسوع, آدم, أدم, أديان, أسرار, إلحاد, إيمان, إسلام, القيامة, الملائكة, الملحد, المدينة, المرأة, المسيح, المسيحية, النار, النبي, الهندوسية, اليقين, اليهودية, الأزهر, الاسلام, البوذية, الجنة, الجبرين, الجحيم, الحاد, الحساب, الرجل, الرسول, السلام, الشك, الصحابة, انبياء, انتقاد, انسانية, ادم, اسقف, اسلام, بوذية, بوذا, بعث, تفكير, ثواب, جدل, حقوق, حكمة, حواء, حياة, حب, حرية, خطيئة, دين, ديانات, سياسة, سر, شفاعة, عقل, عقاب, علم, علمانية, علماء, عيسى, عربى, عربي, غموض.
2 Comments Add your own
Leave a Comment
Some HTML allowed:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <pre> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>
Trackback this post | Subscribe to the comments via RSS Feed

1.
عامر | أكتوبر 1, 2008 at 10:57 م
مقال رائع وأسلوب جميل وراقي في تناول الموضوع كالعادة.
كل الود والمحبة.
2.
Lucifer | سبتمبر 15, 2009 at 1:07 م
المتدينون لا يردون لأن المقال صعب هضمه فهم يبحثون في كتاب “قثم و معجزة النم” على دواء مفيد لسوء الهضم …أما أنت ،ففي رأئهم، يجب عليك تناول دواء مفيد لسوء العاقبة