الرئيسية > نظرية الخلق > وقل سيروا في الأرض

وقل سيروا في الأرض

أن ابسط مقارنة بين ما تركز عليه وسائل الاعلام  من أخبار وتقارير عندنا في المنطقة العربية والعالم الاسلامي وبين ما يتم تداوله في الغرب أو حتى بقية العالم سوف تجعلك تتعجب وتتسائل في نفس الوقت. سوف تتسائل إذا كنا نعيش هنافي بلادنا في عالم مختلف عن العالم الذي يعيش فيه بقية البشر، وتتعجب لعدم ادراك الشعوب العربية مدى التقهقر الذي أصبحنا أسياد العالم فيه وبجدارة. أصبحت اهتماماتنا منصبة أساسًا على الهيافة والهبل الصغائر، وجل ما يفرحنا وينعش يومنا هو فوز الأهلي والقبض على هشام طلعت والحالة النفسية ليحيى الفخراني بعد مسلسله الأخير. نعيش على هذه الأرض وكأننا خارج الإطار الزمني لها، يتقدم العالم بأسره ونهم واقفون فاغرين لهم أفواهنا غير عابئين بما يحرزوه من تقدم في جميع مجالات الحياه. أقنعنا الأخوة المعممون ان لهم الحياة بما فيها من ترف ودعة وسرور، ولنا الآخرة بما فيها من أنهار الحليب والخمر والغلمان والعين من الحور.

أكتب هنا مدفوعًا بحدثين: الأول تلك الأخبار التي أتتنا من على الحدود السوسرية الفرنسية وبالتحديد من المنظمة الأوروبية للبحوث النووية أو ما يعرف اختصارًا باسم CERN عن تجاربهم لمعرفة أصل الكون والكيفية التى حدث بها الانفجار العظيم. والحدث الثاني هو الأخبار التى تناقلتها وسائل الاعلام البريطانية عن اعتزام الكنيسة البريطانية تقديم الاعتذار لتشارلز دارون عن سوء فهمها لنظريته لتطور الأجناس.

المتابع للتعليقات على الإنترنت لشباب المسلمين الضائع التائه الذي أصابته اللوثة من مشاهدته للقرني وعمرو خالد والجندي ومدام سعاد على شاشة التليفزيون، يرى مدى المصيبة التي أصبحنا فيها. اخترت لكم بعضًا من تعليقات الملوثين عقليًا على خبر تجارب المنظمة الأوروبية للبحوث:

  1. نحن مسلمين ولا يهم هذا التطور
  2. الخلق سر من أسرار الله عز وجل، ويكفي أن يفتح هؤلاء العلماء القرآن ليعلمو أن خلق الكون كان بأمر الله عز وجل وذلك في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان وقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين)
  3. اي كانت النظرية التي سيخرج بها العلماء فاني اظن انها ستكون بلا فائدة من الواضح حاليا ان العلم جنح الى مناطق لايعلم مداها الا الله سبحانه وتعالى .
  4. صدقوني حين قرأت الخبر ارعبت لان هذا شأن اللة وليس شأن البشر على تكوين البشرية وللة الستار

التعليقات خليط من الخوف والرعب من العلم، ثم الشك فيه، أو عدم الاهتمام به. ولكن أخطر تعليق على الإطلاق هو التعليق رقم 1 الذي وضع المسلمين في ناحية والتطور في ناحية أخرى. ورأيي أن هذا منطقي عند كل متدين يؤمن بأن هناك كائن غير مرئي خلق الكون في ستة أيام (ثم استراح في اليوم السابع حسب الرواية اليهودية) مع أنه كان من الممكن أن يقول للكون كن، فيكون الكون على طول.

الموضوع باختصار أن المتدينيين لا يهمهم تطور البشرية ولهذا تجدهم في قاع من يهتم بالحياة أو يقيم لها وزنًا. ودائمًا ما يرتبط الدين بالزهد في الحياة. ولهذا لا لم يأخذني العجب وأنا أقرأ هذه التعليقات. فأنا أعلم أن المسلمين ومن على شاكلتهم من متشددي الأديان الابراهيمية الأخرى مستهلكين للحضارة وغير منتجين لها. وفي أحيان كثيرة هم ضد الحضارة من الأساس وحلمهم هو العودة إلى الاقامة في الخيمة وشرب حليب النوق وبولها.

المسلم لا يؤمن بقدرة العلم على الاجابة على تساؤلات لطالما اعتبرها المسلم من الغيبيات. وعندما يحدث ذلك، نجد شيوخ المسلمين وقد هبوا إما مهاجمين لما توصل إليه العلم أو محاولين التوفيق بينه وبين خرافاتهم. أتذكرون ما حدث عندما انتشرت أجهزة الموجات فوق الصوتية وأصبحت موجودة الآن لدى كل أطباء النساء والتوليد وأمكن للعامة معرفة جنس الجنين. نعلم جميًعا تعارض ذلك مع ما كان شائعًا بأن الله وحده يعلم ما في الأرحام. تخيلوا حتى الآن وبعد مرور كل هذه السنوات على انتشار هذه الأجهزة، من أصدقائي من يرفض معرفة جنس مولوده القادم خشية أن يكون ذلك تدخلاً منه في الشأن الإلهي ومزاحمة منه للكائن الخرافي الذي يسكن في الدور السابع من السماوات في علم الغيب وقرائة الكف والفنجان.

أن سلطة العلم في بلاد العرب والمسلمين سلطة موقوفة برأي رجال الدين. فرجال الدين هم فلتر للعلم، ولا يمكن لهذه المنطقة من العالم أن تتقدم بدون أن يسمح لها رجال الدين بذلك، وكلنا يعلم أنهم لم يسمحوا لأن هذا معناه ضياع سلطانهم على رقاب البشر. ولهذا تجدهم يتكلمون وبفتون في أتفه الأشياء وأبسطها، حتى أنه طل علينا أحدهم يفتي بوجوب قتل ميكي ماوس لأنه نجس ولا يجوز أن يلعب معه أطفال المسلمين. وآخر تدخل فيما لا يعنيه وطالب بلدية دبي بمنع استيراد ملونات غذائية مستخرجة من الحشرات لأن الحشرات نجسة، ناسيًا أن نبي الرحمة قد أمر المسلمين بأن يغمروا الذباب في الماء قبل أن يشربوه، وليس هذا فحسب، ولكنه أمرهم بشرب بول البعير كعلاج، والبول في الاسلام نجس ينقض الوضوء.

باختصار، العلم ليس لديه مكانة لدى المتدينين، ومن يقول بأن الدين يحث على العلم عليه أن بثبت ذلك بأمثلة عملية بدلاً من أن يأتي لنا بنصوص دينية كلها تدعوا في الأصل إلى تعلم الدين ويخص بها علماء المسلمين العلم الشرعي عديم الفائدة ويقدمونه على العلم الحقيقي صاحب الفضل الأول في تقدم البشر.

والدليل على عدم تقديرنا للعلم الحقيقي انتشار الدجل والخرافات وتصديقها لدى المتعلمين قبل الجهلة والبسطاء. فانتشرت عيادات الطب البديل والتداوي بالأعشاب وأزدهرت صناعة المشعوذين وأصبح السرطان والتهاب الكبد الوبائي يداوى بالرقية الشرعية وبمساعدة بخور العود من عند عبد الصمد القرشي. أليست هذه مهزلة، هل تجدون أمة من الأمم تستهين بالعلم والعلماء الحقيقيين هذه الاستهانة. هل هناك أمل في تطور مع هذه العقلية؟ لا اعتقد اطلاقًا مادام يتحكم في عقولنا أمثال أبو رجل مسلوخة هذا.

Advertisements
  1. عامر
    أكتوبر 1, 2008 عند 10:57 م

    مقال رائع وأسلوب جميل وراقي في تناول الموضوع كالعادة.

    كل الود والمحبة.

  2. Lucifer
    سبتمبر 15, 2009 عند 1:07 م

    المتدينون لا يردون لأن المقال صعب هضمه فهم يبحثون في كتاب “قثم و معجزة النم” على دواء مفيد لسوء الهضم …أما أنت ،ففي رأئهم، يجب عليك تناول دواء مفيد لسوء العاقبة

  3. yousri
    أكتوبر 20, 2011 عند 11:47 ص

    very good .this is true

  4. افكر
    نوفمبر 21, 2012 عند 12:44 م

    اذا قرأنا تطور علم الاجتماع البشري نجد بأن الاديان في طريقها الى الاندثار ولكن قد يستغرق ذلك بعض الوقت

  5. افكر
    نوفمبر 21, 2012 عند 12:46 م

    يجب علينا تعميم هذه المنافع (التحاليل العلمية والالحاد) على كل الناس لما لا يتم افتتاح محطة تلفزيونية للادينيين مثلاً

  6. ملحد -لاديني-
    أبريل 3, 2013 عند 7:39 م

    مقال جميل ورائع ولكن انا ارى ان من الظلم ان نصنف المسلمين بانهم ضد الحضارة والتقدم- وانا اتحدث عن اشخاص وليس عن دين او مذهب – فهناك الكثير من العلماء المسلمين الذين بدأوا بكل التطور الذي نراه الآن والغرب يشهد على ذلك ولا تنسى الحضارات الاسلامية مثل الاندلس وانظر استكشافات العلماء الاسبان عن حضارة الاندلس والتطور والتقدم الذي كانوا فيه
    ما أقصده هنا هو احترام الجميع وعدم وصفهم بظلم هكذا فالتاريخ يشهد تطور وتقدم المسلمين في عهد الفتوحات الاسلامية بينما كان الغرب في قمة تخلفهم وخرافاتهم الدينية فان الدنيا دوارة كما يقولون
    انا لا اتكلم بصفتي ديني مسلم بل انا ارى انك لا تعرف بعضا من ما تقوله ولم تدرس التاريخ اصلا

  7. نوفمبر 28, 2014 عند 6:10 م

    العلم اكثر المجالات ذكرا في القرأن…
     يُعد العلم من أكثر المجالات ذكراً في القرآن الكريم. فقد ورد لفظه ومشتقاته (عَليم، علمتم، عالم، علماء، نعلم … إلخ) ثمانمائة وستاً وخمسين مرة. وكذلك التقوى ومشتقاتها، فقد وردت في القرآن الكريم مائتين وخمساً وأربعين مرة في أشكالها المختلفة: اتقى، تتقوا، تتقون، المتقين، .. إلخ.
    ومما يشهد على اهتمام الإسلام بالعلم، أن أول آيات أُنزلت من القرآن على النبي r كانت ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[ (سورة العلق: الآيات 1 ـ 5).
    إنّ الربط بين العلم والتقوى في الآية الكريمة (282) في سورة البقرة، هو ربط لتحقيق ما يفيد الإنسان في دنياه وأخراه. فقد فرض الإسلام التطور على أهله فرضاً، حين حثهم على الأخذ بأسباب العلم، وتوجيه العناية إليه توجيهاً خاصاً، لأن الشخصية الإنسانية لا يقوّمها ولا يرقيها شيء غير العلم المجلل بالتقوى. قال تعالى في الحض على العلم ]قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلبَاَبْ[ (سورة الزمر: الآية 9)، فحصرَ التذكر في أولي الألباب، ولا مُقوِّم للألباب غير العلم. إلاّ أن العلم وتَعَلُمَه، يرتبط في الإسلام ارتباطاً له غاية بالله سبحانه وتعالى، أي بالمنهج الذي ارتضاه الخالق لخلقه. فالمؤمن يتعلم العلم ويعمل به، على مقتضى ما شرعه الله، متوخياً الامتثال لما أمر به الله، والاجتناب لما نهى عنه، وتلك هي التقوى. قال تعالى: ]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[ (سورة فاطر: الآية 28). كما قال تعالى ]شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ[ (سورة آل عمران: الآية 18).وقد نص القرآن على أن العلم بحرُ لا نهاية له، فقال تعالى ]وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ (سورة يوسف: الآية 76). وذلك حتى يخفف العلماء من كبريائهم، ويطلبوا المزيد من العلم، ليهديهم إلى القول الفصل، في كل ما يرجون معرفته، من حقائق لا يدركون سرها أو كنهها. وقد نص الله تعالى على هذه الحقيقة في قوله ]وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً[ (سورة الإسراء: الآية 85). لذلك حث الله سبحانه وتعالى الإنسان على طلب زيادة العلم والمعرفة ]وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ (سورة طه: الآية 114). ولذلك كان اكتساب العلم من دون التقوى مظنة الخسران والبوار، ففي العلم محاذير يترتب على ارتكابها غضب الله، فلا بد من معرفتها واجتنابها.

    إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام ليس مقصوراً أو مختصاً بالمجال الديني أو الشرعي فقط، لأن الله تعالى يقول ]وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ[ (سورة البقرة: الآية 282) (اُنظر ملحق تفسير آخر الآية 282 من سورة البقرة) أي: كل علم يدفع الجهل، سواء أكان في الأمور الدينية أم في الشؤون الدنيوية. فقد حض الله المسلمين على تعلم العلوم كافة، ليكونوا أشد بَصَراً بعظمة الله وقدرته المتجلية في خلقه، ولذا كَثُر في القرآن مخاطبة العقل، والاحتكام إليه، وذِكْرُ (أولو الألباب). فضلاً عن أن خطاب الله سبحانه وتعالى لأصحاب العقول قد ورد في تزيل بعض الآيات مثل قوله ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ (سورة الرعد: الآية 4، والنحل: الآية 12، والروم: الآية 24).

    ولعل من أكثر القضايا التي حفلت بها السنة المطهرة، الحديث عن العمل وقيمته وأهميته، وأنه مدار حياة الإنسان، وحركة المجتمع. وقد حرصت السنة دائماً، على الربط المحكم بين العمل والعلم، فإنهما كلٌ واحد لا يتجزأ؛ فلا قيمة لعمل من دون علم، ولا لعلم لا يُعمل به. جاء في الحديث، ]وَلا تَكُونُ بِالْعِلْمِ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلاً[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 295). فالسنة تحرص على العلم أولاً، ولكنه علمٌ لعملٍ، ]تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا[ (سن الدارمي، الحديث الرقم 368) ولم يكن هذا الحرص من السنة على: العمل مع العلم أو العلم مع العمل نابعاً من فراغ، وإنما مرده إلى الحقيقة الكبرى، وهي ]الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلاَ عَمَلٌ[ (رواة البخاري، في كتاب الرقاق). وقد أبان المصطفى r، هذه الحقيقة التي لا جدال حولها، في قوله ]يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلاَثَةٌ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ، أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى وَاحِدٌ عَمَلُهُ[ (سنن النسائي، الحديث الرقم 1911). لذلك لم يكن بدعاً أن جاء في الحديث ]كُلُّ الْعَمَلِ كَفَّارَةٌ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 9508). بل أبعد من ذلك، في الحرص على أداء العمل وإتقانه، أنّ تجويد العمل لا يكون تاماً بلا علم يسنده، ]النِّفَاقُ نِفَاقَانِ نِفَاقُ الْعَمَلِ وَنِفَاقُ التَّكْذِيبِ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 14). ولعـل من أدل سمات العمل في السنة، قول المصطفى r ]لاَ تَكُونَنَّ قَوِيًّا فِي عَمَلِ غَيْرِكَ ضَعِيفًا فِي عَمَلِ نَفْسِكَ[ (سنن الدارمي، الحديث الرقم 56).

    تتمثل أهمية العمل في أنه محك الإيمان، لأن حقيقة الإيمان الصادق علم وعمل وتقوى. فلا يوجد حال من أحوال الإنسان يُسقط عنه العمل. فهو في عمل دائم، إذ لا يخلو أن يكون ناظراً إلى شيء، أو سامعاً قولاً، أو لامساً شيئاً، أو قائلاً حديثاً، أو عاملاً عملاً بجوارحه أو بقلبه، وهو عن كل ذلك مسؤول، إلا أن يكون صغيراً أو مجنوناً أو نائماً. وهؤلاء الثلاثة، إنما سقط عنهم التكليف في تلك الأحوال، لعدم التمييز، والقدرة على إحكام النية. ولكنهم مكلفون بالعمل قطعاً، في حالة مفارقتهم لتلك الأحوال، لقول رسول الله r ]رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1343). وللعمل، كل عمل، وجه ظاهر يراه الناس، ووجه مستتر يعلمه الله U، الذي يرى بقدرته كل شيء. ومن ترك الوجه المستتر فقد باء بخسران مبين، لأن المسلم إذا ترك العمل الظاهر سقطت منزلته في أعين الناس، ولكنه إذا لم يخلص النية في عمله أُحبط عمله في معيار الصدق عند الحق عز وجل، وهذا هو الخسران المبين. فلا مناص للإنسان، من أن يكون عاملاً ومخلصاً في عمله في كل الأحوال، ولا ينجبر التقصير في العمل، إلا بإنجاز مزيد من العمل.

    هناك آيات ورد فيها الحثّ على العمل، بصيغة الطلب، ولمّا كانت آمرة بالعمل، فلم تقترن بالبشرى، بل اقترنت بإشعار المخاطبين بالرقابة، ومن ذلك قوله تعالى ]قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ[ (سورة الأنعام: الآية 135). وقوله تعالى ]اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[ (سورة فصلت: الآية 40). وإن كانت الآية مثار البحث ]قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم[ْ (سورة التوبة: الآية 105). قد خلت من البشرى إلاّ أنها موجهة، باعتبار السياق، إلى الذين يريدون استئناف الحياة على المنهج الرباني. وفيها الحثُ على العمل، والتوجيه، بأن التوبة هي بداية الطريق، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكنه في الوقت نفسه، يحتاج إلى عمل صالح يكون مُصَدِّقاً لتلك التوبة، فلا يكفي الندم على ما فات، ولا الإقلاع عن الذنب، أي ترك المعصية في الحال، بل لابد من العزم وعقد النية على ترك المعاصي مستقبلاً، وتدارك ما سبق من تقصير في العمل، بأن يلزم الإنسان نفسه بالعمل الصالح على كل حال. مثال ذلك: لو ارتكب الإنسان كبيرة من الكبائر، فليس معنى ذلك أن يترك العمل الصالح، ظناً منه أن العمل لا يجديه، ففي هذا المسلك يأس من رحمة الله، وهو القائل U: ]قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[ (سورة الزمر: الآية 53). فالله يغفر الذنوب جميعاً، وكل ابن آدم خطاء. والخطاب “وقل اعملوا” في الآية مثار البحث، يشمل كل المؤمنين باعتبار أنها القاعدة المُجمع عليها، لأن الآية قد نصت على أولية العمل، ولا ينازع العمل هذه الأولية إلا العلم، لأنه مقدم عليه، كما نص على ذلك البخاري في باب (العلم قبل القول والعمل) لقوله تعالى] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ[ (سورة محمد: الآية 19). فبدأ بالعلم أولاً. فليس للمؤمن خلاص أو منجاة إلا بالعمل، ولكن بعد علمٍ.

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: